يرى الدكتور كامران يجانجي أن الشرق الأوسط، رغم مكانته التاريخية بوصفه أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم، ما زال يفتقر إلى إطار إقليمي متكامل يتيح تبادل الكهرباء والغاز والهيدروجين بين دوله بكفاءة. ويطرح الكاتب مفهوم «شنغن الطاقة» باعتباره نموذجًا للتعاون الإقليمي في قطاع الطاقة، يهدف إلى تعزيز الربط الكهربائي وتنسيق السياسات واللوائح الفنية دون المساس بسيادة الدول.
ونشرت صحيفة ميدل إيست مونيتور هذا التحليل، مؤكدة أن التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة، وارتفاع الطلب على الكهرباء، والتوسع في الطاقة الشمسية، وتنامي مشروعات الهيدروجين الأخضر، تفرض على دول الشرق الأوسط البحث عن صيغ جديدة للتعاون تتجاوز الحدود الوطنية وتدعم أمن الطاقة والتنمية الاقتصادية.
شنجن الطاقة.. تعاون اقتصادي لا اتحاد سياسي
لا يقصد مفهوم «شنجن الطاقة» إنشاء اتحاد سياسي على غرار الاتحاد الأوروبي، بل يرمز إلى بناء منظومة إقليمية تجعل شبكات الكهرباء والغاز والهيدروجين أكثر ترابطًا وتوافقًا من الناحية الفنية والتنظيمية. ويهدف هذا النموذج إلى إزالة العقبات أمام انتقال الطاقة والاستثمارات والتكنولوجيا بين دول المنطقة، مع توحيد المعايير الفنية والتشريعات وآليات السوق تدريجيًا.
ولا يقتصر الهدف على مد خطوط الكهرباء أو أنابيب الغاز، بل يمتد إلى ضمان قدرة الأنظمة المختلفة على العمل معًا بكفاءة. وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى إمكانية زيادة قدرات الطاقة الشمسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنحو عشرة أضعاف بحلول عام 2035، إضافة إلى ضخ استثمارات كبيرة في شبكات الكهرباء، ما يجعل الربط الإقليمي أكثر أهمية في مواجهة تقلبات الطلب والإنتاج.
أسس قائمة وفرص واعدة للتكامل الإقليمي
يؤكد الكاتب أن المنطقة لا تبدأ من الصفر، إذ وضعت بعض المبادرات الحالية أسسًا لهذا التعاون. ففي ديسمبر 2024 وقعت دول عربية اتفاقيات لدعم السوق العربية المشتركة للكهرباء، بهدف توسيع تجارة الطاقة عبر الحدود وتطوير الأطر التنظيمية والفنية اللازمة.
كما تمثل هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي نموذجًا عمليًا للتعاون الإقليمي، خاصة مع امتداد مشروعات الربط نحو العراق. ويمكن لهذه المشروعات أن تمهد الطريق لبناء سوق طاقة أكثر تكاملًا، تسمح بتبادل الفوائض الكهربائية وتقليل تكاليف الإنتاج وتعزيز أمن الإمدادات.
ويرى الكاتب أن نجاح هذا المشروع يتطلب أربعة عناصر رئيسية تتمثل في توسيع شبكات الربط الكهربائي، وتوحيد القواعد التنظيمية، وتوفير أدوات تمويل إقليمية، وإنشاء آليات قانونية تحمي الدول المشاركة عند حدوث أزمات سياسية أو اقتصادية.
من جغرافيا الصراعات إلى جغرافيا الترابط
يحذر التحليل من أن الترابط في مجال الطاقة لا يؤدي تلقائيًا إلى الاستقرار السياسي، إذ قد تتحول شبكات الطاقة إلى أدوات ضغط في أوقات الأزمات إذا غابت القواعد المنظمة. لذلك تحتاج المنطقة إلى آليات واضحة لتسوية النزاعات، وضمان استمرار الإمدادات، وتنويع مصادر الطاقة.
ويرى الكاتب أن التكامل الاقتصادي لا ينبغي أن ينتظر تسوية جميع الخلافات السياسية، بل يمكن أن يبدأ من المصالح المشتركة ذات العوائد الواضحة، مثل تجارة الكهرباء ومشروعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية المشتركة.
ويخلص التحليل إلى أن الشرق الأوسط قادر على الانتقال من خريطة تقوم على خطوط الأنابيب والصراعات الجيوسياسية إلى خريطة جديدة تقوم على شبكات الكهرباء والأسواق المشتركة والمعايير الموحدة، بحيث تصبح الطاقة بوابة لتعزيز التعاون الإقليمي ودعم التنمية المستدامة.
https://www.middleeastmonitor.com/20260813-energy-without-borders-why-the-middle-east-needs-an-energy-schengen/

